وصف المتقين للامام علي (رضي الله عنه)

الامام علي (رضي الله عنه ) يصف المتقين منعباد الله تعالى.

أما بعد:

فإن الله تعالى خلق الخلق حيث خلقهم غنياً عن طاعتهم، آمناً لمعصيتهم، لأنه سبحانه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففادوا أنفسهم منها.أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، فظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم، لايرضون من أعمالهم بالقليل ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: ربي أعلم بنفسي مني، و أناأعلم بنفسي من غيري، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لايعلمون. فمن علامة أحدهم: أنك ترى له قوة في الدين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرّجاً عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجلٍ يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذراً ويصبح فرحاً حذراً من الغفلة، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريباً أمله، قليلاً زلٌلُه، خاشعاً قلبه، قانعة نفسه، منزوراً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دينه، ميته شهوته، مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إنَّ كان في الغافلين كٌتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيداً فحشه، ليناً قوله، غائبا ًمنكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره، مدبراً شره في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لايحيف على من يبغض، ولايأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لايضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكر، ولاينابز بالألقاب، ولايضّر بالجار، ولايشمت بالمصائب، ولايدخل في الباطل، ولايخرج من الحق، إن صمت لم يغمّه صمته، و إنَّ ضحك لم يعل صوته، و إنَّ بُغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، و الناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة ([1]).

وسمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال لهم: إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكّم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به.

([1])    التذكرة الحمدونية لابن حمدون: 1 / 18.

 

شارك المقالة على مواقع التواصل الاجتماعي

One thought on “وصف المتقين للامام علي (رضي الله عنه)

  • أغسطس 19, 2020 at 5:21 م
    Permalink

    بارك الله بك

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *